احدى عشرة سنة من الماضي.
11 جوان 2015
ليلة رعب أخرى أعيشها وسط الدوامات المتعاقبة التي أحشر فيها نفسي، عن قصد ودون قصد، للخروج من الرتابة القاتلة، او ربما كي أجد ما أذكره، عوض الدائرة المفرغة التي يعيشها الكثير منا (ربّما أحس بوطئتها أكثر من الآخرين).
حدث ما حدث منذ أسبوعين أو أكثر، حين عرضت "ع" (سأتحفظ على الاسم) عليّ مشاركتها السكن في تونس، بعد أن فرّت من عائلتها، لأنها قررت ببساطة ، الابتعاد عنهم و عن قمعهم، و العيش مستقلة، حرّة.
وافقتها على مبدأ الاستقلالية، فعائلاتنا تقتلنا شيئا فشيئا دون وعي منها، حين تجرّنا الى نفس الدائرة الأولى، صندوق الاستقرار الى جانب أمك و ابيك، حيث لا خوف عليك.
أخبرت عائلتي بأنني توفقت في إيجاد مكان أسكن فيه في تونس في الصيف، و أستطيع بالتالي العمل هناك، سأقتسم السكن مع أحد " أصدقائي" القدامى، فمشاركة امرأة السكن فضيحة و عار و أمر مستهجن سينتهي حتما في الفراش !
وصلت الى العاصمة في تمام الثالثة بعد بعد الزوال، و كانت "ع" في انتظاري في محطة برشلونة، كنت سعيدا لأن السكن سيكون في وسط المدينة، لا باردو أو المنار، و هو ما سيحقق قربي من أماكن العمل و الدورات التدريبية و اجتماعات الأحزاب و الجمعيات و الأندية.
لسوء الحظ، كانت المفاجئة أن الشقة المكتراة لم تكن سوى في عمارة متداعية في باب دزيرة ! و في نهج سيدي بوشوشة بالتحديد، احدى أكثر المناطق رعبا، و اجراما و "براكاجات" ، أمام ذلك النهج بالذات وقع اعتراضي و افتكاك هاتفي الجوال من قبل ستة ملثمين يوم اغتيال شكري بلعيد، حيث عمت الفوضى العاصمة، و خاصة وسط المدينة.
قلت لعين خائبا أنه من الصعب أن أقطن بباب دزيرة، و نصحتها بتغيير مقر السكنى لأنه يشكل مصدرا للخطر، لكنّها سخرت من كلامي و تذرعت بأنها لن تعود الى البيت متأخرة وبالتالي فلن يحصل شيء.
كانت الشقة الصغيرة تتكون من غرفتين، أثارت اعجابي، بأثاثها الكثير (و هو حلم كل طالب): ثلاجة وتلفاز و فرن و أغطية كثيرة و سريران و صالون إلى جانب عدد من الطاولات و خزانتان. جلبت انتباهي صورة عائلية بالأبيض والأسود، موغلة في القدم، للعائلة مالكة الشقة السابقة على ما يبدو: امرأة و ثلاث بنات، تطلعت الى الصورة بخوف، تراءى لي أنها مسكونة و أن تلك الامرأة أو إحدى بناتها ستقفز و تهاجمني ليلا.
قالت لي عين ان صديقها سيزورها الآن، و من المستحسن أن أهيم في الشوارع لساعة أو ساعتين.
نفّذت الأمر، لأنني أعتزم من البداية القيام بجولة في المنطقة، خرجت مستطلعا الوجوه، التي ترمقني بالنظرات ككل حي شعبيّ، حيث تلتهم الأعين كل ساكن جديد.
وصلت الى نهج ابن خلدون، دخلت مقهى المونديال لأجد آمنة صديقتي المقربة وشقيقتها إيناس، تجاذبنا أطراف الحديث، ثم خرجت و ابتعتُ "شبّاطي" من محل "why not" متذكرا أن صاحبه أصيل مدينة الرقاب أين يقطن أبي، و كالعادة، قارورة كوكاكولا زجاجية من العطرية المقابلة التي أصبح معظم شغلها يقوم على بيع المشروبات الغازية لحرفاء محل الشباطي.
أحسست بشبع مريح، و اندلعت الفوضى فجأة بانتهاء مباراة الافريقي و النجم الساحلي بفوز نادي باب جديد، خرجت أشكال غريبة من كل مقهى و كل نهج، خالعة قمصانها، مرددة أغاني فيراجية بأقذع العبارات موجهة السباب للسواحلية و كل من ليس "كلوبيستيا" ، امتلأت الشوارع بهم، مع تفرج قوات الأمن ببرود.
عدت الى نهج سيدي بوشوشة، لأجد أن صديق "ع" لم يأت بعد، أخبرتني أنها ستنام و لن تراه.
اخترت أحد الغرف و استلقيت بها. كنت متعبا من السفر و المشي في الشوارع لمدة تفوق الساعة و النصف، لم أفكر حتى بمشاهدة التلفاز مع "ع" أو حتى التسامر معها على الرغم من صداقتنا الطويلة.
أقبلت فجأة الى غرفتي، قالت لي أن صديقها أقبل و ينتظر منها أن تفتح له الباب، و طلبت مني أن لا أجزع و أنه لن يغضب.
تظاهرت بالنوم شاعرا بحنق شديد و بالغ، هل سأعيش في السرية في هذا المكان؟
فتحت الباب، لتفاجأ بصديقها رفقة شقيقتها، التي شاركتني مقاعد الدراسة، سمعت صوتها المجلجل، ماذا أفعل؟
دخلت زميلة الدراسة الغرفة ، قالت "هاو حمادي" باستهزاء و غادرت. تضاعف حنقي. سمعت همهمة متتالية تحولت الى صياح و نقاش حاد.
"هربت مالدار، متعرفش شباش يقولوا علينا؟"
'دارنا يذبجوك راهو لازم تروح معايا"
قررت أن أكف عن مواصلة التظاهر بالنوم، و أن افعل شيئا.
دخلت فضاء الصالون. كانت شقيقة "ع" تجلس على احدى الكنبات، يجلس صديق عين على الكرسي مسندا يديه الى الطاولة، بينها غرقت هي في بكاء صامت.
علمت أن والدها و شقيقها، الذي يعرفني وأعرفه معرفة سطحية ، ينتظران في آخر النهج، و أنهما سيأتيان لجمع أغراض "ع" و العودة بها.
سمعت همهمة و صوت رجلين قادمين، انها الطامة الكبرى لو يجدونني هنا، لبست حذائي كما اتفق و هرولت بصعوبة نحو سطح العمارة بسبب الظلام الشديد.
وجدت سطحا مشابها لأسطح العمارات التي صورتها لنا الأفلام المصرية: اقنان حمام، بيت سطوح بالمعنى الفعلي للكلمة، و أرضية متقشرة متكلّسة .
طالعني فندق أفريكا من الجهة الشمالية والمستشفى العسكري من الجهة الجنوبية، يحاصران العمارات المتعددة القديمة و والصحون اللاقطة المتزاحمة.
أخذت استرق السمع الى الطابق السفلي حيث تقع الشقة، والد "ع" يدخن دون انقطاع حيث لم ينقطع عن استخدام ولاعته، أمّأ شقيقها فأخذ يصرخ و يتوعد دون أن يفعل شيئا. كنت أطلّ من السلم فأرى أحيانا ظل الوالد أو الفتى.
ماذا لو تفطنوا إلى أدباشي و علموا أن هناك من يشارك "ع" سكنها، من الرجال؟ رجل و امراة لا يربط بينهما شيء؟ ( الرابطة الوحيدة الممكنة لدى رجل و امراة في عقلنا الجمعي هي كل شيء الا الرفقة او الصداقة)، ربما يقرران البحث عني و الصعود نحو السطح لتفقده و العثور علي، هل أقفز نحو سطح العمارة الملاصقة؟ أم أدخل الى أحد الغرف المهجورة؟ أم ماذا أفعل؟
بعد حوالي الساعة من الضغط العصبي القاتل ونكرر مئات السيناريوهات المحتملة دون توقف، لمحت أحدهم يصعد مستخدما ضوء هاتفه الجوال للرؤية، بلغ رعبي أقصى درجاته، و أخذ أتخيل آلاف الاحتمالات و ردات الفعل الممكنة.
كان صديق 'ع' . سلمني نسخة من المفتاح و أخبرني بأنهم مغادرون في الحال وأنه بإمكاني النزول لأخذ أدباشي.
بقيت في حالة ذهول، و حين سمعت شخير السيارة و ابتعادها، تنفّست الصعداء.
Comments
Post a Comment