Posts

بروكلين، أو الضفة الأخرى

Image
بروكلين، وبالتحديد ويليامسبرغ. قمت بنقل أدباشي دفعة واحدة على متن السيارة ، من المدينة الصغيرة وسط بنسلفانيا، الى ضجة نيويورك التي لا تنتهي. حشوتُ كل حياتي الصغيرة هناك في خلفية السيارة ، ثلاث سنوات مرت كلمح البصر، وضعتها كاملة على رفوف هاته العربة. المسافة لم تكن طويلة جدا، خمس ساعات من وسط بنسلفانيا الى نيوجرسي ثم نيويورك. هاته المسافة نفسها تختزل وطني كاملا، ترحل بي من تونس الى جربة، كي تصبح هنا، مجرد عدد من الساعات بين ولاياتين متجاورتين. بروكلين، حي الباحثين عن الأمل، المتعبين والمهاجرين والحالمين، وحي الطبقة الجديدة المرفهة التي أخذت تلتهم شيئا فشيئا منازل الفقراء، عبر الوكالات العقارية التي تشتري البيوت، ثم تكتريها بسعر خيالي، أو المالكين الجدد الذين يرفعون أسعار الايجار بشكل مشط، ثم يقومون بطرد السكان التقليديين واستجلاب الطبقة الأخرى المستعدة لدفع الثمن. كانت الشقة تقع في الطابق الأرضي في حي ويليامسبيرغ، أخذت أتجول في الشوارع، باحثا عن شيء ما. الحي يهودي بامتياز، تنتشر اللغة العبرية هنا على معظم البنايات وحتى باص المدرسة وعلامات المرور والاعلانات التجارية،  كما أرى مجتمع ا...

لماذا علينا أن ندعم محمد عبو؟

Image
السؤال كبير، وقد يبدو محسومًا لدى الكثير: هاهو شخص آخر، يصطف كالكثيرين وراء أحد الصفوف، في اطار اللهاث الانتخابي الكبير نحو كرسي الرئاسة وكراسي التشريعية. إلا أنني أرى الأمر من زاوية مختلفة تماما قد تثير سخرية البعض: دعم محمد عبو هو واجب وطني، بكل بساطة. لنتاول الأمر ببراغماتية بعيدا عن كل مشاعرية أو صفصطة أو تدافع ايديولوجي أو نقاش عقيم حول ثنائية الخوانجي/ التقدمي المضحكة ( لأن لا أحد يتموقع تموقعا حقيقيا في أيَ المكانين) : لدينا حاليا، قائمة مرعبة ومخيفة من المترشحين للرئاسية ، والتي قد يصل أحد الموجودين بها فعلاً، الى سدة الحكم: حين نلغي عبو من المعادلة، فسنجد ثنائيا كارثيا في الدور الثاني من الرئاسيات: عبير موسي، امرأة برنامجها الوحيد هو تغيير الدستور التونسي والعودة بنا الى المربع الاول من ما قبل الفين واحد عشر، حزب محترف في الخطاب الشعبوي واجترار الماضي والبكاء على أطلال الحزب الحر الدستوري بنفس فولكلوريته الوصولية وتملقية أعضائه ، وتفرد ’شخص واحد’ كالعادة في قيادة كل شيء، من منكم يعرف قياديا أخر غير عبير موسي صلب الحزب الدستوري؟ اعادة رسكلة رديئة لطبقة سياسية أثبتت فشله...

شذرات من ديسمبر

Image
أنا هنا، لن أكون محلل سياسيا، ولا باحثا في علم الاجتماع السياسي، أو منظرا، أريد فقد أن أتكلم، أن أقول ما أريد قوله كشاهد على ما حدث أواخر ديسمبر سنة ألفين وعشرة. لا تعتبر ما أكتبه مقالا، بل مجرد خواطر، لا تخضع لميكانزمات التحليل، ولا للنقد العلمي الممنهج. الثورة، باعتبارها فعلاً أدبيا جماعيا، هي مقابل للفعل الأدبي الفردي ( الأخلاق) ، أي أنه تمثل مادي يقوم به الإنسان لممارسة رغبته في الرفض، والتعالي، والحلم. لكنني، بعدسة المراقب من بعيد، أرى كالعادة انقسام الناس المتجدد سنويا في كل سابع عشر من ديسمبر، الكثيرون يشتمون البوعزيزي ومن أنجب البوعزيزي، متناسين أن البوعزيزي لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد فيما حدث في 2010 و 2011، بل ان الاجتماع الشعبي الذي انعقد أمام مقر السلطة ( الولاية) كان هو الشرارة الفعلية، والقرار الجماعي، للقيام بتمرد. يقوم الناس هنا بشتم كل ما علاقة له بالاصطلاح الثوري من الجانب اللغوي، كلمات "الثورة" ، "الانتفاضة" ، "الياسمين" ، " ثورة الحرية والكرامة" ، ا...

قانون المصالحة : السقوط المدوي

Image
تونس في 1 ماي 2017   لم يفلحْ مشرُوع قانون المصالحة المقترح من رئيس الجمهورية ، الى حدِّ المحاولة الثالثة ، في الحصول على تأييد سياسي مريح واقناع الشارع التونسي، رغم المحاولات المتعددة لترويجه، عبر تجنِّد فريق عمل كامل من قبل مؤسسة رئاسة الجمهورية لاقناع المواطن التونسي بأن الأموال المسترجعة عبره ستوفر عديد مواطن الشغل وستوظف في الاستثمار في المناطق الداخلية، وذلك في حيلة ممنهجة لتغليف الطابع السياسي لمشروع القانون بقناع اقتصادي صرف. مشروع القانون، الذي يعصف بمسار العدالة الانتقالية، ضاربا عرض الحائط  "القطيعة مع الماضي" كي يؤسس لاستئناف اعادة انتاج نفس النظام السياسي والاقتصادي بنفس الميكانزمات، كان سببا أساسيًّا في بروز حراك رفض شعبي متمثل في  "مانيش مسامح" ، كحملة شبابية للوقوف في مواجهة هذا القانون، وذلك كآخر شعلة للثورة التونسية، هذا الحراك الذي أسقط مشروع قانون المصالحة في دورتين متتاليتن، كمسودة منفردة وكفصولٍ حاول نوَّاب السلطة تمريرها صلب قانون المالية، قد نجح بدورِهِ في حشد مسيرة كبيرة في شارع الحبيب بورقيبة يوم السبت الفارط، خالقا أشكالا جديدة من الاحتج...

ولادة ميساء

Image
نهاية  أقف أمام المرآة، للمرّة الألف. أمرّر أناملي على وجهي، أتذكر وجهي ؟ طلما قلت لي أنّه جميل، هادئ و مضيء كنجمة ليليّة بعيدة. لكنّني الآن أراه قبيحًا، قبيحًا بشكل فظيع. آثار الكدمات الزرقاء و الأرجوانية أحيانا تغطي كامل جسدي، بالأمس أشبعني أخي ضربا لأنه اكتشف أنني ادخّن، كلّ كدَمة تذكرني بنفس من الدخان اللذيذ الذي ملأ خلايا دماغي، ضربني شقيقي الذي يستهلك علبتين من السجائر يوميّا. انحدر بيدي نحو ثنايا جسدي المنهك،أتلمّس الزوايا المنتفخة.. أتعلم ؟ هذا العالم بائس ، و يجعل منّا بؤساء كلّ يوم، هذا العالم عبارة عن عملية تحيّل كبيرة، قام بها الله، أو لا أعلم من قام بها حقيقة، كي يوهمننا أنّنا أحياء. و كي نتخبّط  لسنوات طويلة، سائرين بخطى حثيثة نحو الموت. الموت، تلك الكلمة الكبيرة، كم يغريني الموت لو تعلم، و يدفعني كلّ يوم نحوه، حين أكتشف أننا لا نحيا، بل نحن في انتظار الموت الذي نخافه، و لكن لا نتوقف عن ذكره في نفس الوقت:  نحن نشاهد الموت في الأخبار، نتحدث عنه في المقاهي و البرامج التلفزيونية و الدينية و الترفيهية، نلبسه في أدبشتنا، بل نحتفي في العي...
Image
الرّسالة الأخيرة. آمل أن تقرئي رسالتي كاملة ، و أن تتحاملي على غضبك، لأنها آخر كلمات أقولها لك.. حين كنت أستمع الى الأغنية الشّهيرة (نسيت حتى العنوان و اسم المغني، لم يعد لي ذهنٌ صاف)                                                                                      « only you know you love her when you let her go And you let here go » كنت أسخر من كاتب الكلمات ، و من المغنّي على حدّ سواء، و كنت أعتبرها مجرّد أغنية تجاريّة رخيصة، فكيف يقع أن  لا نحس بالحبّ الّا عند الفقد؟ ألا يوجد الحب في الوسط، أثناء قرب الحبيبين؟ كيف تكيّف العلاقة اذن، ك"علاقة حب"؟ أ...

أضغاث منتصف الليل

Image
اليوم عدت في سيارة أجرة تجري بسرعة كبيرة مئة كيلومتر مئة و خمسون مئتان تطوي الجبال ثم السهول الخضراء ثم الزياتين و الزياتين و الزياتين بلا نهاية ارى فلاحين و فلاحات يحملن أخشابا على ظهورهن أطفالا يلوحون بأيديهم الى السيارات بسعادة تلقائية ريف شاسع ممتد بلا نهاية لا تشوهه عقد المدينة و أمراضها النفسية آه من المدينة شوارع لا تنتهي تمتلأ بالناس يمشون دون توقف الجميع عابس مهموم شارع الحبيب بورقيبة شارع قرطاج شارع مرسيليا شارع الهادي نويرة شوارع شوارع شوارع متروات خضراء، اللص، الدو التروا الكات السانك السيس ثمة مترو آخر وراه سيب هاك الباب يا راس اللحم يا مصطك سيب هاك الساك خبي هاك التلفون نطروهولك حافلات صفراء قدم القدام الوسط فارغ عمال و موظفون مطحونون طلاب جائعون بطالة هائمون روائح كثيرة دزّ و لزّ و عفس المحطة الجاية اهبط مقهى تليها مقهى و بين كل مقهى و مقهى قاعة شاي واحد كابوسين زوز اكسبريس ثلاثة تاي قهاوي فيها الفقراء و أخرى فيها الأغنياء بونجور موسيو بونجور مادام ديراكت كراوسون تيراميسو القهوة بخمسة دنانير كل هذا الجمع له خمس دنانير ليضعها في رشفة قهوة و انا لا املك دينارا واحدا ميتي...