Posts

هجرة مؤقتة بلا عودة.

Image
  حين هاجرت، قمتُ بالاقدام على الانتحار. أنا لا أكذب عليك هنا، لقد قمتَ بقراءة العبارة بالشكل الصحيح: لقد أقدمتٌ على الانتحار. حين تقوم بمغادرة بوابة المطار في بلدك، وتذهب الى بلدٍ آخر، بنية الهجرة لا بنية الزيارة، فأنت تموت هناك، تقع روحك على عتبات باب المغادرة، ولا ترحل معكَ أبدًا. حين تقلع الطائرة، تقلع معها روحك، وتصعد للسماء، فعلٌ مثل عملية الموت تماما وصعود الروح الى عالمٍ آخر. وحين تبلغ الطائرة مطار بلد الاستقبال، وتجد نفسك في بلد آخر، أنت لستَ أنتَ بعد الآن، بصفة نهائية أيضًا. لمَ أقول ذلك؟ لأنكَ تخسر كل شيء حرفيا: أصدقائك الذين كنت تذهب معهم كل يوم الى كل مكان، لم يعودوا معك الحانات الذي كنتَ ترتادها وتحبها، والمقاهي الصغيرة بالكراسي البيضاء البلاستيكية في الحي والتي كنتَ تحب الجلوس فيها لساعات في ساعات مراهقتك ثم ساعات شبابك الأولى، لم تعد على مرمى حجر منك، الى الأبد. صباح بيتكَ الدافئ مع العائلة، وابتسامة والدتك مع السابعة والنصف صباحا وهي تقدم لك القهوة بالحليب وسندويتش الزبدة ومعجون السفرجل الدافئ، انسَ ذلك تمامًا. هل تذكُر لعبك الأول وأنت طفل، ألفتك الكبيرة مع الشوار...

Allegro non troppo

Image
  Allegro non troppo الى أين قد تحملكَ الموسيقى؟ لا أعلم، لكن هاته المقطوعة مثلا، تحملك الى كل متناقضاتك. صدق من قال أنه يجب علينا الامتنان للموسيقى بالكثير، كيف كانت ستكون حياتي دون موسيقى؟ جحيمًا كبيرًا. تخيل أن أستعمل مترو الأنفاق النتن الصدأ الغبِر كل يوم دون موسيقى تصدع في أذني؟ او ان أتمشى في الحديقة الكبيرة القريبة من محل سكناي دون باخ أو هانز زيمر أو بوشناق ضاربة مرابض رأسي؟ سيكون ذلك كارثيا. للموسيقى قدرة سحرية على تحويل اليومي الى استثناء، وعلى تحويل المشاهد العادية الى لقطات من فلمٍ سنمائي. اليومَ، كالعادة، قمت بمحاولة لتجميل واقعي اليومي، ووضعتُ السماعات في أذني كي تزين الموسيقى المشاهد اليومية التي أراها، المتشردون النائمون على الطريق، سيارة البوليس وهي تلاحق بعض الهاربين، الفضلات الملقات على قارعة الطريق في كل مكان، وأركان المدينة الهائلة المرتفعة حتى ناطحات السحاب مطلة على الله محاولةً الحديث معهٌ مباشرة. تمشيتُ وتمشّيت، انعطفت مع شارع ميرتل الواسع، حيث تنتشر المطاعم والمقاهي والحانات على الجانبين،وكذلك مدخنو الماريخوانا الكُثر. في النهاية، الماريخوانا هنا ليست مباحة...

صبُّوا

Image
  لا أستطيع انكارَ كونِ أسوأ فتراتِ حياتي، كانت سنوات الطفولة وبداية المراهقة. حتى لو كانت الذكرى جميلة، في جُمليتها وكليتها، من ناحية النوستالجيا والذكرى والتذكر والصداقات العفوية البسيطة التي تتحول الى فانتازيا وردية بع د مضي سنوات، فان العوز والاحتياج كانا كبيرين بشكل مخيف. أتذكر ذهابي مع أمي للبنك في الصباح الباكر آخر كل شهر. كنا نستيقظ على الساعة السادسة والنصف صباحًا كي نذهب للبنك البعيد، لأنهم قد "صبوا" . من صبَّ ماذا؟ لم أكن أعلم. كل ما كنتُ أعلمُه، أنهم قاموا بصب أموالٍ لنَا، وأننا نستطيع تذوق اللحم نهاية الأسبوع هذا. كنتُ اسير مع أمي مسافة كيلومترين، من بيتنا في حي النور الغربي الى البنك وسط السوق المركزي بسيدي بوزيد، والسبب كان واضحا: دينارُ سيارة الأجرة غير موجودٍ تمامًا، وان وُجد، فقد ينفع في مآربَ أخرى. كنا نبلغُ البنك، كي تشير اليَّ أمي أن أجلس على احدى المقاعد الجانبية، وتذهب الى شباك الخدمات، كنتُ أسترق النظر محاولاً فهم ما يحصل، أحاول فهم تفاصيل المحادثة التي لم يكن يتناهى الى مسامعي شيءٌ منها. كانت أمي تخوض نقاشًا مع موظف البنك، صاحب النظارات السميكة والك...

فودكا بالكرز

Image
 أ نا أفتقدني جدا. أنا هنا، ولست هنا، كل يوم. لقد وجدت وصفًا ممتازًا لما أشعر به في كتاب عبد المالك صياد "الغياب المضاعف"، حين تحدث عن معاناة المهاجرالشمال-افريقي، بين غيابه الكبير المكثف عن بلده، وبين غيابه الموجع الأكبر في بلد "الاستقبال" ( عن أي استقبال أتحدث؟). قال عبد المالك: أنت هنا، ولست هنا. أنت حي فقط في العطلة التي تزور فيها عائلتك. وأنت ميت أثناء احدى عشر شهرًا من العمل. أتعلم، من المؤسف والمؤلم فعلاً، أن لا يفهم أحد ذلك، ولن يفهم أحد ذلك أبدًا على ما أظن، وسط قوارب الموت/الحياة (أو محاولاتها) التي تغادر تونس كل يوم، وسط النداء الجماعي الكبير المتفق عليه نحو المغادرة الكبرى دون رجعة، واعتبار كل من يعارض ذلك مرتدا. يساوي احساسك بالاغتراب والمنفى هنا لاشيئًا، صفرًا كبيرًا، مزحة ممجوجةً ركيكة وسط العبث الكبير الذي يحصل في تونس. هل تريد cherry vodka؟ ماذا؟ انه مشروب بسيط ومعروف، خلط عصير الكرز مع الفودكا، كيف لا أعرفه؟ أنا صراحة، لا أعرفه. يوم كلاسيكي آخر من محاولة التطبيع مع الاغتراب، مع عدم معرفتك لأبسط الأشياء، بما في ذلك شراب الفودكا المخلوط بالكرز الأحمر...

شارع بولسبورغ القديم

Image
  لازلت أتذكر جيدا أول يوم لي في أمريكا. كان يوما غريبا، ومتعبًا، وصعبًا. بدأ اليوم-اليومان بمغادرة تونس طبعا، كانت الوجهة الأولى باريس، وكنت أحاول الغوص في قائمة أغانٍ طويلة أعددتها للرحلة الطويلة. قطع تسلسلُ الأغاني حديث شخص جالسٍ بجانبي، بادرني بالسؤال: آش ماشي تعمل في فرنسا نشاله؟ بدا لي السؤال شخصيا جدا، لكننا تونسيون، عائلة كبيرة، ولا مجال تقريبًا لما هو "شخصي" و"متاح" في أسئلتنا. مانيش ماشي لفرنسا، ترانزيت أكهو، ماشي نقرى في أمريكا اه، امريكا؟ تباركالله تباركالله، بش تقرى هندسة؟ لا، حقوق حقوق؟ أول مرة نشوف واحد ماشي يقرى حقوق في أمريكا ضاعف كلامه ارتباكي، فقمت بميكانزم دفاعي بسيط وهو ادارة دفة الأسئلة نحوه لا نحوي: وانت، شنوة ماشي تعمل في فرنسا؟ نظر لي، وابتسم، وكأنه بصدد الحديث عن انجاز تاريخي، ثم تمتم: ماشي بحذا خويا، درا كيفاش نطرت منهم الفيزا، بالحرام لا روحتها. ابتسمت، ونظرت للشباك، كي يطالعنا الجنوب الفرنسي بغاباته وبحيراته المنتشره في كل مكان، أطل عليها من وسط غيوم صيفية خفيفة. كلنا بدو، كلنا رُحّل حتى اشعار آخر، التونسي لا يحب العودة، يحب الرحيل النها...

لم نواجهها عراة

Image
  لا أعتبر ما أكتبه هنا تحليلا سياسياً، أو بحثاً اجتماعياً، بل رأي أو خواطر لا تخضع لـ “ميكانزمات” التحليل، ولا للنقد العلمي الممنهج، لذا أكتب ومن موقعي كشاهد ومتعايش للأحداث التي رافقت الثورة. الثورة، باعتبارها فعلاً أدبياً جماعياً، هي مقابل للفعل الأدبي الفردي ( الأخلاق) ، أي أنه تمثّل مادي يقوم به الإنسان لممارسة رغبته في الرفض، والتعالي، والحلم. لكنني، بعدسة المراقب من بعيد، أرى كالعادة انقسام الناس المتجدد سنوياً في كل سابع عشر من ديسمبر، الكثيرون يشتمون البوعزيزي ومن أنجب البوعزيزي، غير مدركين أنه لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد في ما حدث في 2010 و 2011، بل ان الاجتماع الشعبي الذي انعقد أمام مقر السلطة (الولاية) كان هو الشرارة الفعلية، والقرار الجماعي، للقيام بتمرد. يقوم الناس هنا بشتم كل ما له علاقة  بالإصطلاح الثوري من الجانب اللغوي، كلمات  “الثورة”، “الانتفاضة”، “الياسمين”، ” ثورة الحرية والكرامة”، الى آخره….كلها تثير امتعاضهم،  وتسبب لهم عدم الارتياح، وهذا طبيعي، لأنها تلمس ثوابتهم، أساس هجوم الناس هنا  هو ليس أخلاقياً البتّة، بل هو ذو خلفيات إقتصادية...

بروكلين، أو الضفة الأخرى

Image
بروكلين، وبالتحديد ويليامسبرغ. قمت بنقل أدباشي دفعة واحدة على متن السيارة ، من المدينة الصغيرة وسط بنسلفانيا، الى ضجة نيويورك التي لا تنتهي. حشوتُ كل حياتي الصغيرة هناك في خلفية السيارة ، ثلاث سنوات مرت كلمح البصر، وضعتها كاملة على رفوف هاته العربة. المسافة لم تكن طويلة جدا، خمس ساعات من وسط بنسلفانيا الى نيوجرسي ثم نيويورك. هاته المسافة نفسها تختزل وطني كاملا، ترحل بي من تونس الى جربة، كي تصبح هنا، مجرد عدد من الساعات بين ولاياتين متجاورتين. بروكلين، حي الباحثين عن الأمل، المتعبين والمهاجرين والحالمين، وحي الطبقة الجديدة المرفهة التي أخذت تلتهم شيئا فشيئا منازل الفقراء، عبر الوكالات العقارية التي تشتري البيوت، ثم تكتريها بسعر خيالي، أو المالكين الجدد الذين يرفعون أسعار الايجار بشكل مشط، ثم يقومون بطرد السكان التقليديين واستجلاب الطبقة الأخرى المستعدة لدفع الثمن. كانت الشقة تقع في الطابق الأرضي في حي ويليامسبيرغ، أخذت أتجول في الشوارع، باحثا عن شيء ما. الحي يهودي بامتياز، تنتشر اللغة العبرية هنا على معظم البنايات وحتى باص المدرسة وعلامات المرور والاعلانات التجارية،  كما أرى مجتمع ا...