Posts

شارع بولسبورغ القديم

Image
  لازلت أتذكر جيدا أول يوم لي في أمريكا. كان يوما غريبا، ومتعبًا، وصعبًا. بدأ اليوم-اليومان بمغادرة تونس طبعا، كانت الوجهة الأولى باريس، وكنت أحاول الغوص في قائمة أغانٍ طويلة أعددتها للرحلة الطويلة. قطع تسلسلُ الأغاني حديث شخص جالسٍ بجانبي، بادرني بالسؤال: آش ماشي تعمل في فرنسا نشاله؟ بدا لي السؤال شخصيا جدا، لكننا تونسيون، عائلة كبيرة، ولا مجال تقريبًا لما هو "شخصي" و"متاح" في أسئلتنا. مانيش ماشي لفرنسا، ترانزيت أكهو، ماشي نقرى في أمريكا اه، امريكا؟ تباركالله تباركالله، بش تقرى هندسة؟ لا، حقوق حقوق؟ أول مرة نشوف واحد ماشي يقرى حقوق في أمريكا ضاعف كلامه ارتباكي، فقمت بميكانزم دفاعي بسيط وهو ادارة دفة الأسئلة نحوه لا نحوي: وانت، شنوة ماشي تعمل في فرنسا؟ نظر لي، وابتسم، وكأنه بصدد الحديث عن انجاز تاريخي، ثم تمتم: ماشي بحذا خويا، درا كيفاش نطرت منهم الفيزا، بالحرام لا روحتها. ابتسمت، ونظرت للشباك، كي يطالعنا الجنوب الفرنسي بغاباته وبحيراته المنتشره في كل مكان، أطل عليها من وسط غيوم صيفية خفيفة. كلنا بدو، كلنا رُحّل حتى اشعار آخر، التونسي لا يحب العودة، يحب الرحيل النها

لم نواجهها عراة

Image
  لا أعتبر ما أكتبه هنا تحليلا سياسياً، أو بحثاً اجتماعياً، بل رأي أو خواطر لا تخضع لـ “ميكانزمات” التحليل، ولا للنقد العلمي الممنهج، لذا أكتب ومن موقعي كشاهد ومتعايش للأحداث التي رافقت الثورة. الثورة، باعتبارها فعلاً أدبياً جماعياً، هي مقابل للفعل الأدبي الفردي ( الأخلاق) ، أي أنه تمثّل مادي يقوم به الإنسان لممارسة رغبته في الرفض، والتعالي، والحلم. لكنني، بعدسة المراقب من بعيد، أرى كالعادة انقسام الناس المتجدد سنوياً في كل سابع عشر من ديسمبر، الكثيرون يشتمون البوعزيزي ومن أنجب البوعزيزي، غير مدركين أنه لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد في ما حدث في 2010 و 2011، بل ان الاجتماع الشعبي الذي انعقد أمام مقر السلطة (الولاية) كان هو الشرارة الفعلية، والقرار الجماعي، للقيام بتمرد. يقوم الناس هنا بشتم كل ما له علاقة  بالإصطلاح الثوري من الجانب اللغوي، كلمات  “الثورة”، “الانتفاضة”، “الياسمين”، ” ثورة الحرية والكرامة”، الى آخره….كلها تثير امتعاضهم،  وتسبب لهم عدم الارتياح، وهذا طبيعي، لأنها تلمس ثوابتهم، أساس هجوم الناس هنا  هو ليس أخلاقياً البتّة، بل هو ذو خلفيات إقتصادية، فمن كان متعشّما من الن

بروكلين، أو الضفة الأخرى

Image
بروكلين، وبالتحديد ويليامسبرغ. قمت بنقل أدباشي دفعة واحدة على متن السيارة ، من المدينة الصغيرة وسط بنسلفانيا، الى ضجة نيويورك التي لا تنتهي. حشوتُ كل حياتي الصغيرة هناك في خلفية السيارة ، ثلاث سنوات مرت كلمح البصر، وضعتها كاملة على رفوف هاته العربة. المسافة لم تكن طويلة جدا، خمس ساعات من وسط بنسلفانيا الى نيوجرسي ثم نيويورك. هاته المسافة نفسها تختزل وطني كاملا، ترحل بي من تونس الى جربة، كي تصبح هنا، مجرد عدد من الساعات بين ولاياتين متجاورتين. بروكلين، حي الباحثين عن الأمل، المتعبين والمهاجرين والحالمين، وحي الطبقة الجديدة المرفهة التي أخذت تلتهم شيئا فشيئا منازل الفقراء، عبر الوكالات العقارية التي تشتري البيوت، ثم تكتريها بسعر خيالي، أو المالكين الجدد الذين يرفعون أسعار الايجار بشكل مشط، ثم يقومون بطرد السكان التقليديين واستجلاب الطبقة الأخرى المستعدة لدفع الثمن. كانت الشقة تقع في الطابق الأرضي في حي ويليامسبيرغ، أخذت أتجول في الشوارع، باحثا عن شيء ما. الحي يهودي بامتياز، تنتشر اللغة العبرية هنا على معظم البنايات وحتى باص المدرسة وعلامات المرور والاعلانات التجارية،  كما أرى مجتمع الحسي

لماذا علينا أن ندعم محمد عبو؟

Image
السؤال كبير، وقد يبدو محسومًا لدى الكثير: هاهو شخص آخر، يصطف كالكثيرين وراء أحد الصفوف، في اطار اللهاث الانتخابي الكبير نحو كرسي الرئاسة وكراسي التشريعية. إلا أنني أرى الأمر من زاوية مختلفة تماما قد تثير سخرية البعض: دعم محمد عبو هو واجب وطني، بكل بساطة. لنتاول الأمر ببراغماتية بعيدا عن كل مشاعرية أو صفصطة أو تدافع ايديولوجي أو نقاش عقيم حول ثنائية الخوانجي/ التقدمي المضحكة ( لأن لا أحد يتموقع تموقعا حقيقيا في أيَ المكانين) : لدينا حاليا، قائمة مرعبة ومخيفة من المترشحين للرئاسية ، والتي قد يصل أحد الموجودين بها فعلاً، الى سدة الحكم: حين نلغي عبو من المعادلة، فسنجد ثنائيا كارثيا في الدور الثاني من الرئاسيات: عبير موسي، امرأة برنامجها الوحيد هو تغيير الدستور التونسي والعودة بنا الى المربع الاول من ما قبل الفين واحد عشر، حزب محترف في الخطاب الشعبوي واجترار الماضي والبكاء على أطلال الحزب الحر الدستوري بنفس فولكلوريته الوصولية وتملقية أعضائه ، وتفرد ’شخص واحد’ كالعادة في قيادة كل شيء، من منكم يعرف قياديا أخر غير عبير موسي صلب الحزب الدستوري؟ اعادة رسكلة رديئة لطبقة سياسية أثبتت فشله

شذرات من ديسمبر

Image
أنا هنا، لن أكون محلل سياسيا، ولا باحثا في علم الاجتماع السياسي، أو منظرا، أريد فقد أن أتكلم، أن أقول ما أريد قوله كشاهد على ما حدث أواخر ديسمبر سنة ألفين وعشرة. لا تعتبر ما أكتبه مقالا، بل مجرد خواطر، لا تخضع لميكانزمات التحليل، ولا للنقد العلمي الممنهج. الثورة، باعتبارها فعلاً أدبيا جماعيا، هي مقابل للفعل الأدبي الفردي ( الأخلاق) ، أي أنه تمثل مادي يقوم به الإنسان لممارسة رغبته في الرفض، والتعالي، والحلم. لكنني، بعدسة المراقب من بعيد، أرى كالعادة انقسام الناس المتجدد سنويا في كل سابع عشر من ديسمبر، الكثيرون يشتمون البوعزيزي ومن أنجب البوعزيزي، متناسين أن البوعزيزي لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد فيما حدث في 2010 و 2011، بل ان الاجتماع الشعبي الذي انعقد أمام مقر السلطة ( الولاية) كان هو الشرارة الفعلية، والقرار الجماعي، للقيام بتمرد. يقوم الناس هنا بشتم كل ما علاقة له بالاصطلاح الثوري من الجانب اللغوي، كلمات "الثورة" ، "الانتفاضة" ، "الياسمين" ، " ثورة الحرية والكرامة" ، ا