ولادة ميساء




نهاية 




أقف أمام المرآة، للمرّة الألف.
أمرّر أناملي على وجهي، أتذكر وجهي ؟ طلما قلت لي أنّه جميل، هادئ و مضيء كنجمة ليليّة بعيدة. لكنّني الآن أراه قبيحًا، قبيحًا بشكل فظيع.
آثار الكدمات الزرقاء و الأرجوانية أحيانا تغطي كامل جسدي، بالأمس أشبعني أخي ضربا لأنه اكتشف أنني ادخّن، كلّ كدَمة تذكرني بنفس من الدخان اللذيذ الذي ملأ خلايا دماغي، ضربني شقيقي الذي يستهلك علبتين من السجائر يوميّا.
انحدر بيدي نحو ثنايا جسدي المنهك،أتلمّس الزوايا المنتفخة.. أتعلم ؟ هذا العالم بائس ، و يجعل منّا بؤساء كلّ يوم، هذا العالم عبارة عن عملية تحيّل كبيرة، قام بها الله، أو لا أعلم من قام بها حقيقة، كي يوهمننا أنّنا أحياء. و كي نتخبّط  لسنوات طويلة، سائرين بخطى حثيثة نحو الموت.
الموت، تلك الكلمة الكبيرة، كم يغريني الموت لو تعلم، و يدفعني كلّ يوم نحوه، حين أكتشف أننا لا نحيا، بل نحن في انتظار الموت الذي نخافه، و لكن لا نتوقف عن ذكره في نفس الوقت:  نحن نشاهد الموت في الأخبار، نتحدث عنه في المقاهي و البرامج التلفزيونية و الدينية و الترفيهية، نلبسه في أدبشتنا، بل نحتفي في العيد بذبح حيوان مسالم.نحن، با صديقي، حتى في أوقات الحب الجنوني ، نهتف " نموت عليك!"
لا أعلم ان كان الله على حق حين خلقني، ثم جعلني وسط هؤلاء النّاس، الجميع ينظر الي شزرا حين أمشي في الشارع، أتحوّل لقحبة لمجرّد أنني أرفض أن أتصرف كامرأة/ عبد : تعود من المعهد كي تطبخ و تنظف و ترتب أدباش أخيها و أبيها ثم تجلس كي تتحدث عن الزواج و العفّة و الشرف و الزوج المستقبلي. هل كان الله على دراية بأن مملكته التي نصبها على الأرض تتحوّل الى مذبحة يوميّة؟ هل تعمّد جعل الشرق الذي ارسل فيه جميع أنبياءه، مقبرة للنساء؟ لمَ يجرّنا جرّا نحو الموت، تلك الآلهة التي تنافسه سطوةً، و اغراءً، و خلقا من جديد؟
من أخبرك أن الموت أمر سيئ؟ هل الحياة ، بالمقابل، أمر جيّد؟ هل تسمي الاختناق اليومي ، و تلك الأيادي التي تمتد كلّ يوم كي تعبث بك، حياةً؟ أنا أأسف لحالنا فعلا، أنا ككل امرأة في الشرق، لا أجيد الدفاع عن نفسي، أكبر كل يوم و امتلأ حقدًا على اللاعدالة التي تتكدّس هنا، على الهرسلة التي تعذبنا ، نحن النساء، كل يوم. على لفظة " العاهرة" التي تتربص بنا في كل زاوية، دون أن نفلح شيئا امام جبروت هذا المجتمع، نحن نموت كل يوم مرّات، حين نحسّ بالعجز .
 انا لم أعد اطيق الموت، اريد ان اولد، ان اخلق نفسي من ممرات جديدة/ مخيفة، هذا العالم -يا صديقي- لم يعد يتسع لي، اريد جنانا فسيحة و سحابات احلم فوقها، اريد أن احيا.
سيأخذني هذا الحبل بعيدًا بعيدًا،هذا الحبل الطري سيخنقني بوطأة أقل بكثير مما أختنق كل يوم.
 ستجدني يجانبك ان احتجتني، فلا تحزن يا صديقي، و اتبعني ان شئت.



Comments

Post a Comment

Popular posts from this blog

لماذا علينا أن ندعم محمد عبو؟

بروكلين، أو الضفة الأخرى

لم نواجهها عراة