قانون المصالحة : السقوط المدوي

تونس في 1 ماي 2017 لم يفلحْ مشرُوع قانون المصالحة المقترح من رئيس الجمهورية ، الى حدِّ المحاولة الثالثة ، في الحصول على تأييد سياسي مريح واقناع الشارع التونسي، رغم المحاولات المتعددة لترويجه، عبر تجنِّد فريق عمل كامل من قبل مؤسسة رئاسة الجمهورية لاقناع المواطن التونسي بأن الأموال المسترجعة عبره ستوفر عديد مواطن الشغل وستوظف في الاستثمار في المناطق الداخلية، وذلك في حيلة ممنهجة لتغليف الطابع السياسي لمشروع القانون بقناع اقتصادي صرف.مشروع القانون، الذي يعصف بمسار العدالة الانتقالية، ضاربا عرض الحائط  "القطيعة مع الماضي" كي يؤسس لاستئناف اعادة انتاج نفس النظام السياسي والاقتصادي بنفس الميكانزمات، كان سببا أساسيًّا في بروز حراك رفض شعبي متمثل في  "مانيش مسامح" ، كحملة شبابية للوقوف في مواجهة هذا القانون، وذلك كآخر شعلة للثورة التونسية، هذا الحراك الذي أسقط مشروع قانون المصالحة في دورتين متتاليتن، كمسودة منفردة وكفصولٍ حاول نوَّاب السلطة تمريرها صلب قانون المالية، قد نجح بدورِهِ في حشد مسيرة كبيرة في شارع الحبيب بورقيبة يوم السبت الفارط، خالقا أشكالا جديدة من الاحتجاج ، بطابع شبابي صرف، عبر خلق محركات جديدة للشارع، أعادت اليه النبض بعد ركود نسبي.استعمال الطبول كاشارة لاعلان الحرب على الفساد، أقنعة "أنونيموس"، رفع الشعارات البعيدة عن التجاذبات الحزبية والموجهة أساسا نحو التنديد بالفساد والتشهير بالفاسدين، كلها عوامل نجحت في استقطاب المواطن العادي لتبني الاحتجاج، بعد أن نفرَ من الصراع السياسي المتمركز حول السلطة والقضايا الهامشية التي لا تعني المواطن العادي. هذا اضافة الى الروح الشبابية المؤطرة للحملة، من شباب مستقل حزبيا . وقد نجح حراك مانيش مسامح، بعد نجاح السلطة النسبي في امتصاص تأثير "الشارع" وتحول الاحتجاجات الى حدث نمطي لا يثير المواطنين، في خلق آليات جديدة أهمها الاستقلالية، غياب الوجوه السياسية المعتادة، والحضور الذكي في وسائل التواصل الاجتماعي.وقد عمل "الفريق" المشكَّل من قبل لرئاسة الجمهورية، على حشد دعاية ممنهجة لمهاجمة هيئة الحقيقة والكرامة والتقليل من نجاعة عملها واعتبارها هيئة مختزلة في شخص "سهام بن سدرين" ، الى جانب العمل على تشويه حراك مانيش مسامح واعتباره امتدادًا لمناصرة رئيسة الهيئة وحتى للرئيس السابق منصف المرزوقي، وهي حجج مردودٌ عليها باعتبار أن الناشطين صلب الحراك قد أعربوا عن جملة من التحفظات فيما يتعلق بسير عمل هيئة الحقيقة والكرامة وباستقلالهم عن كل مكون سياسي، هذا دون الامتناع عن تبني أحزاب سياسية أو جمعيات ومنظمات للحملة وهدفها الأساسي المتمثل في اسقاط قانون المصالحة بكلِّ صِيغه.قانون المصالحة، في حلته الجديدة،  ودون أي غطاء دستوري، سَحب البساط في فصله الأخير من هيئة الحقيقة والكرامة فيما يتعلق بملفات الفساد الاقتصادي والاداراي، كي يحيلها للجنة تكون كل أعمالها سريّة، اضافة الى أن تقديم الاعتذار لن يكون للشعب التونسي، بل للجنة تنشر أعمالها في تقرير نهائي، اضافة الى فتح الباب أمام المهربين وبارونات الفساد لايداع أموالهم دون محاسبة فيما يتعلق بجرائم الصرف. ومن الغريب استخدام أبواق المدافعين عن النسخة الجديدة من مشروع القانون لتوصيات لجنة البندقية كغطاء "يشرِّع" لقانون المصالحة معتبرين أنها لم ترى في وجود هيئتين مختلفتين ضربا لمسار العدالة الانتقالية، هذا على الرغم من أن تقرير لجنة البندقية قد وضح أن وجود لجنتين سيكون مشروعا الا في حالة عدم المساس بمسار العدالة الانتقالية، وهو ما لا نجده صلب مشروع قانون المصالحة، الذي قام أساسا على حسابات ومُقايضات سياسية مع رجال أعمال قاموا بتمويل الحملة الانتخابية للرئيس الحالي وحزبه، الى جانب محاولة أخيرة لانقاذ أصدقاء الأمس عبر عفو شامل يحميهم من التتبعات القضائية.على صعيد الأجندات الحزبية، فان حركة النهضة، المتميزة بازدواجية خطابها، قد أذعنت في النهاية للضغط الشعبي، ليصوت البارحة مجلس شورى الحركة ضد مشروع قانون المصالحة في صيغته الحالية، وذلك في مناورةٍ سياسيةٍ تظهرها في ثوب المتبني للمطالب الشعبية، دون خسارة حليف السلطة نداء تونس، الذي ستواصل  التفاوض معه بمنطق سياسي دون الاهتمام بالجانب القانوني المنهار أساسا لمشروع القانون. 

Comments

Post a Comment

Popular posts from this blog

لماذا علينا أن ندعم محمد عبو؟

لم نواجهها عراة

بروكلين، أو الضفة الأخرى