شارع بولسبورغ القديم

 لازلت أتذكر جيدا أول يوم لي في أمريكا.

كان يوما غريبا، ومتعبًا، وصعبًا.
بدأ اليوم-اليومان بمغادرة تونس طبعا، كانت الوجهة الأولى باريس، وكنت أحاول الغوص في قائمة أغانٍ طويلة أعددتها للرحلة الطويلة.
قطع تسلسلُ الأغاني حديث شخص جالسٍ بجانبي، بادرني بالسؤال:
آش ماشي تعمل في فرنسا نشاله؟
بدا لي السؤال شخصيا جدا، لكننا تونسيون، عائلة كبيرة، ولا مجال تقريبًا لما هو "شخصي" و"متاح" في أسئلتنا.
مانيش ماشي لفرنسا، ترانزيت أكهو، ماشي نقرى في أمريكا
اه، امريكا؟ تباركالله تباركالله، بش تقرى هندسة؟
لا، حقوق
حقوق؟ أول مرة نشوف واحد ماشي يقرى حقوق في أمريكا
ضاعف كلامه ارتباكي، فقمت بميكانزم دفاعي بسيط وهو ادارة دفة الأسئلة نحوه لا نحوي:
وانت، شنوة ماشي تعمل في فرنسا؟
نظر لي، وابتسم، وكأنه بصدد الحديث عن انجاز تاريخي، ثم تمتم:
ماشي بحذا خويا، درا كيفاش نطرت منهم الفيزا، بالحرام لا روحتها.
ابتسمت، ونظرت للشباك، كي يطالعنا الجنوب الفرنسي بغاباته وبحيراته المنتشره في كل مكان، أطل عليها من وسط غيوم صيفية خفيفة. كلنا بدو، كلنا رُحّل حتى اشعار آخر، التونسي لا يحب العودة، يحب الرحيل النهائي، يحب المغامرة والتيه والاحتراق في ذلك كل يوم. بدت لي في تلك اللحظة، قرارات بورقيبة بحلحلة البدو الرحل وتغيير القابهم من أجل تغيير ولائهم من القبيلة الى الدولة مهزلة. لازلنًا نومادًا يا بورقيبة في أصقاع الأرض، ولن نتوقف عن ذلك.
حطت الطائرة الرحال بمطار شارل ديغول، مطار لي ألفة بغطرسة موظفيه التي بلغت الرتبة الأولى مقارنة بأي مطارٍ آخر زرته، كانت الموظفة تتجاهل سؤالي عن بوابة الطائرة المتجهة لنيويورك، ثم اشارت بيدها الى لوحة ضوئية دون أن تنبس بكلمة.
بلغت بعد عناء شديد مسار الذهاب نحو بوابة الطائرة المتجهة الى نيويورك، كي أمر بسيل من الأسئلة يبدأ قبل الاقلاع:
هل تحمل اسلحة في اغراضك؟ هل انتميت الى تنظيم مسلح في السابق؟ هل تحمل أي مواد حادة؟ ماهو سبب سفرك الى الولايات المتحدة؟ ارني وثائق القبول في الجامعة وجواز سفرك.
ضحكت في داخلي بسبب الأسئلة، تخيل لو وقع طرح الاسئلة على ارهابي مثلا، هل ستكون اجابته بالايجاب؟ نعم أنا احمل اسلحة وسأحاول اختطاف الطائرة اليوم انشاء الله، هل تسمح؟
قبل صعودي الطائرة اعترضتني موظفة اخرى، كي تبدأ بطرح أسئلة، ثم طلبت جواز سفري مرة أخرى:
اه، تونسي، لمَ تتحدث معي بالانجليزية اذن؟
أنتِ من بادرتِ بسؤالي بالانجليزية
الكثير من التونسيين يعملون في هذا المطار وجميعهم يتقنون الفرنسية، هل تتقن الفرنسية ايضا؟
ابتسمت لذكاء موظفة المطار منقطع النظير، واستطعت استقلال الطائرة أخيرا المقلعة في رحلة طويلة تتجاوز الثماني ساعات.
تجاوزتُ شخصًا جالسًا على يساري بصعوبة، مفتول العضلات، كان قد "افترش" كامل كرسيه بشكل مريب، ثم نظر لي واخذ في الحديث مباشرة:
كنتُ في فينيسيا، واو مان، انها رائعة
جميل
هل زرت فينيسا؟
لا، لكنني من تونس، لدينا شطآن جميلة أيضا
همهم بكلمات لم اسمعها، وتوقف عن الحديث
اتت موظفة الطائرة، فطلب الرجل ويسكي، سألتُ نفسي: لمَ لا أقوم بنفس الطلب؟ أتذكر أن صديقًا لي أخبرني أن مفعول الكحول في الطائرة مضاعف ورائع
سألتني موظفة الطائرة ان كنت أريد أي مشروب، فغمغمتُ في خجل: ويسكي
لم تسمعني، اضطررت الى اعادة الكلمة ثلاث مرات، حتى أن ملامحها أبدت بعض الانزعاج، ممَّ جعل تجربة الشراب الروحي على الطائرة تتعرض الى الاجهاض منذ بدايتها.
بلغنا مطار جون كينيدي، وبدأت دقات قلبي في التضاعف.
تفقدت مجددا جوازي، تأشيرة السفر المطبوعة على احدى صفحاته، وثيقة القبول في الجامعة، متذكرا كل ما قرأته عن صلَف موظفي المطارات في الولايات المتحدة.
كان صف الانتظار طويلا بشكل مرعب، حتى أن ساقاي اصابتا بخدر مزعج جدا.
بلغتُ دوري، كان موظف الحدود مسنا جدا، يا الهي، كيف لا يزال يعمل في المطار الى هاته السن، وعلى هاته الساعة المقاربة لمنتصف الليل؟
ماهو عنوانك في الولايات المتحدة؟
اه… لا اتذكر، انه موجود على هاتفي الجوال، لكن هاتفي مغلق بسبب الشحن
صمتَ، بدأت أصاب بخوف شديد منذ البداية
لا مشكلة، سأضع عنوان جامعتك، اه، جامعة بنسلفانيا؟
ثم هتف فجاة ضاما يديه الى الأعلى ببطء شديدٍ نظرًا لكبر سنه: " WE ARE!"
ابتسمت، نحن؟ نحن ماذا؟ مالذي يقصده هذا العجوز؟
اكتشفتُ بعد فترة أنه كرر شعار جامعة بنسلفانيا وأراد مني اتمامه: " WE ARE! PENN STATE"
لكن لا علمَ لي بالشعار وقتها، وكانت ابتسامتي البلهاء موقفًا مضحكًا جدا.
ختم جوازي ونجحت في المرور، كي أعثر على حقيبة سفري بسهولة.
تذكرت نصيحة احدى الصديقات حول مطار كينيدي، لا تغادره للبحث عن سيارة اجرة، قم بالانتظار في صف سيارات أجرة المطار لأنها أكثر أمنًا.
قمتُ بذلك، تجاوز الانتظار ساعة وتضاعف معها تعبي، الى أن اتى دوري.
كان هاتفي مغلقا، لكنني، لحسن الحظ، تصرفت بشكل ذكي في احدى اللحظات الذكية النادرة في حياتي، واحتفظت بعنوان محطة الحافلة على ورقة سلمتها لسائق سيارة الأجرة.
ابتسم السائق، ربما للطريقة الكلاسيكية في نعته على العنوان والتي تجاوزها الزمن حيث أصبح الناس يستخدمون أوبر وليفت او الهاتف الجوال مباشرة للاشارة الى عنوان ما.
انطلقت السيارة، وكانت فيها شاشة صغيرة تراءى لي فيها وجه الكوميدي جون اوليفر، لكنني لم استطع الانتباه الى تفاصيل البرنامج، وانما تهت في البنايات الشاهقة المخيفة المضيئة حد الازعاج، واللوحات الاشهارية الضخمة في جادة الشارع الخامس في منهاتن. كان أول مشهد يطالعني هو شجار عنيف بين فتيات امام احدى قاعات السينما، وسيارة شرطة رابضت أمامهن مع ضوء شديد ينبعث منها دون أن تتحرك الشرطة قيد انملة.
بلغت محطة الحافلات، خمسة وستون دولارًا، يا الهي، لازال عقلي حينئذ معدلا على الدينار التونسي، مائة وثلاثون دينارًا من اجل توصيلة بسيارة الأجرة؟ هذا البلد مخيف.
نقدت السائق ورأيت الصف الطويل امام الحافلة، كي أصطف هناك وأنتظر فترة طويلة.
عنَّ لي السؤال مرة أخرى، ولازلت لليوم لا أعلم لماذا، الا انني تشجعت وبادرت الفتاة الواقفة امامي:
هذه الحافلة متجهة نحو بنسلفانيا، صحيح؟
ماذا؟ لا، نحن ذاهبون الى اونتاريو، كندَا.
اُسقط في يدي، واصابني هلع شديد، أخذت أجرجرُ حقيبتيَّ بصعوبة شديدة كالمعتوه باحثا عن الباص الذي علي الذهاب نحوه، حتى رأيت في الشارع الذي كان شديد الظلام، باصا آخر رابضًا في نهايته.
عدوتُ، وكان الباص على وشك المغادرة
بنسلفانيا؟
wow wow wow, hold on
اوقفني السائق بقوة، وهتف:
انت تحمل حقيبتين، خمس وعشرون دولارًا
خمس وعشرون؟ لكنني اقتنيت التذكرة و..
خمس وعشرون دولارًا!!!!
يا الهي، كل شيء بمقابل هنا، لا تسامح ولا "معادش تعاودها" ولا "المرة هاذي ميسالش"
بحثت عن حافظة نقودي في اضطراب شديد، وأنا أرى تناقص المال السريع منها بسرعة الضوء في الليلة الاولى، ثم صعدت الباص الذي غادر مباشرة، وتنفست الصعداء.
لم أستطع حتى النوم على الرغم من التعب الشديد، وأنا اتأمل الشاحنات الضخمة وهي تمر بجانب الباص مع الكثير من الاضواء على جوانبها، هاته الشاحنات مخيفة فعلاً، وحجمها يبلغ اربعة اضعاف أية شاحنة رأيتها في تونس.
غفوتُ قليلا، واستيقطت عديد المرات مذعورا، خائفًا من أن أجد نفسي في المدينة الخطأ من بنسلفانيا.
هاتفي لا يعمل، لم اشتر حتى شريحة هاتفية هنا، كيف سأتصرف؟ انا لا احمل حتى عنوان البيت الذي اكتريتُ فيه غرفة، يا لغبائي.
لم تتوقف الأفكار عن التصارع في رأسي والسيناريوهات عن التوالد فيه دون توقف. بلغنا وسط بنسلفانيا بعد خمس ساعات.
نزلت على الساعة الرابعة صباحا ورأيت السيارات تنتظر العديد من المسافرين للذهاب بهم نحو بيوتهم.
وقفتُ وحيدًا في الظلام، الى أن سمعت صوتًا ينادي:
HOMADI
هومادي؟
يبدو لي اللفظ شبيها بحمادي، وكان هذا الاسم الجديد هو أكثر ما استمع اليه من أي صديق ينادي لي اليوم
بحثتُ عن المنادي، انه ڤراڤ، صاحب المنزل الذي تواصلت معه على الانترنت
مرحبا، ڤراڤ؟
نعم، لقد علمت انك لن تجد طريقا للاتصال بي، لذا انتظرتك هنا
قام الرجل المسن بحمل حقائب السفر بقوة لا تتلاءم مع سنه، ووضعها في سيارته المتهالكة، وانطلق بي نحو المنزل البعيد الذي سأقضي فيه سنة رائعة مع شخص لازلت أعتبره أبًا الى اليوم.
-----------------

غراغ كونولي، 63 عامًا، متقاعد من البحرية الأمريكية، مغامر ونشط، ووحيد.
بدأ اتصالي معه حين حاولت بشكل شبه يائس العثور على سكن قرب الجامعة، نظرا لصدمتي المخيفة أمام أسعار سكن "المبيت الجامعي" لجامعة بنسلفانيا والذي لم تغطيه منحتي الجامعية، والتي من الأفضل ألا أذكرها هنا. وضعتُ إعلانا في موقع كريغليست الشهير، ذكرت فيه أنني طالب تونسي أبحث عن سكن قريب من الجامعة، وأن ميزانيتي محدودة جدا. تلقيت رسالة بعد يومين من جراج: " لدي بيت به غرفة استطيع تأجيرها لك، البيت يقع في ضاحية لومونت، لن تكون على مقربة شديدة من الجامعة لكن تستطيع استعمال الباص".
رأيت بصيصا من الأمل في رسالة جراج، ولم أكترث كثيرًا لبعد البيت عن الجامعة، قررت بعد فترة من التفكير المجازفة وقبول العرض على الرغم من أنني لا أعرف الرجل، وليست لي أية معلومة عنه، قد يكون قاتلا متسلسلاً، أو متحيلا، أو غريب أطوار، لكنني، على كل حال قررتُ المجازفة.
كان لقائي بالرجل على الساعة الرابعة صباحا لقاءً أبويا، طرح علي بعض الأسئلة ثم وجهني الى "غرفتي" قائلا: - من المؤكد أنك متعب من السفر الطويل، نم جيدا وسنتحدث غدًا"
استيقظت حوالي منتصف النهار، كي أتذكر أنني لم أعلم عائلتي حتى بوصولي سالما، قفزت من الفراش، كي أجد على الطاولة جذاذة ورق صغيرة : " Wifi password: leanonme"
تذكرت، انها أغنية بيل ويذرز الرائعة، التي اختلفت مع صديق لي حول ترجمة معنى العنوان، هل قصد المغني : اعتمد عليّ، أم استند علي، من السند على الكتف؟
عدت إلى هلعي، واستعملت الانترنت لطمأنة عائلتي، غادرت الغرفة الى المطبخ الصغير، كي أجد جراج قد أعد لي كوبا من الحليب وكوبا من العصير و سندويتش "هوت دوغ". اكتشفت انني جائع جدا، وأكلت وشربت دون شكره، ثم تداركت ذلك في اضطراب وشكرته، فأجابني ضاحكًا:
اتس نوثينغ، هل تريد القيام بجولة وسط المدينة؟
أومأت ايجابًا، وتابعته الى سيارته القديمة الرابضة أمام البيت. أتذكر كيف كان يشير الى محطة الباص التي سأستعملها من أجل التنقل، أراني مداخل الجامعة الكبيرة، والحانات الممتدة على الشارع الطويل المقابل لها، مكتب البريد ومركز الشرطة، ثم قال ساخرًا: - لن تحتاج لهؤلاء الخنازير
كان يلبس نظارات سميكة جدا، وقبعة بحار بنجمة خماسية، أو "قبعة لينين" كما يسميها الكثير، اكتشفتُ بعد ذلك أنه تروتسكي حد النخاع، مؤمن بالثورة المستمرة، لكنه، للضرورة التاريخية واللحظة السياسية، ساند برني سندرنز في الانتخابات الفارطة على الرغم من نهجه "التحريفي" حسب قوله، بل ونظم تقريبا كل حملته الانتخابية في جامعة بنسلفانيا وضواحي "بنسلفانيا الوسطى".
ذهبنا بعد جولة المدينة الى احد اصدقائه الذي كان بائعًا للخردة، كان مسنا مثله، ويصرخ عند الحديث تقريبا، ابتعتُ منه دراجة قديمة بعشرين دولارًا، على أمل استعمالها في المستقبل، الا انها ظلت مثلما اشتريتها تماما، قطعة من الخردة.
ذهبنا بعد ذلك الى متجر وول مارت الكبير، اشتريت مستلزماتي الاسبوعية من مواد غذائية. غادرت المتجر كي اجده في انتظاري، فبادرتهُ قائلاً:
الغذاء هنا رخيص فعلا، لقد اشتريت كل هاته المقتنيات بخمس وعشرين دولارا
انها رخيصة لانها ستصيبك بالسرطان
علمت منه بعد ذلك، أن زوجته كانت تحب التسوق في والمارت كثيرًا، وان الطعام الرخيص المعدل جينيا والمصنع واللحوم الفاسدة التي تباع بأرخص الاسعار، قد اصابتها بالسرطان وأنهت حياتها منذ سنتين.
سألني بعد ذلك كثيرًا عن تونس، وعن قرطاج، ثم اخبرني انه كان صديقًا لطالب دكتوراه ايطالي حدثه كثيرًا عن المتوسط.
تحولت علاقتي مع جراج الى علاقة ابوية بامتياز، فكنتُ اساعده على جلب الخشب من غابة جبل نيتاني، لاستعمالها في ورشته في قبو المنزل، كان يصنع الكثير من الأثاث الرائع، ونأخذه لبيعه أحيانا. كما كنا نشتري صخرًا رخيصا شبيها بالرخام من قرية "بلفونت" ، كي يصقلها جراج في أحواض نباتية ضخمة، فشل في بيعٍ أي منها نظرًا لبشاعتها.
كنتُ أعلم أنه هدفه لم يكن البيع أو جنبي المال أصلا، كان هدفه هو الانتصار على الوحدة، أو فعل شيء ما، كان يريني كيفية استعمال منشار الصقل المخيف، وصوت محركه الهادر الذي لا يتوقف، لكن ذلك اصابني بالخوف ولم أجازف حتى بالتجربة.
كنا نذهب للكنيسة أيام الخميس حيث كان هناك عشاء مجاني رائع، كنت تقريبا الشاب الوحيد وسط جمع كبير من المسنين، معظمهم وحيدون، لكن الوحدة كانت تنتهي في ساعة العشاء تلك أو تنحسر بشكل مؤقت. كانوا يحملون الكثير من القصص، والكثير كي يخبروه، وكانوا يسعدون بكل شخص مستعد لل"استماع"، ولو قليلاً.
أصبحنا نذهب لصيد السمك في "سبرينغ كريك" أو "نهر الربيع" الذي يقع مباشرة خلف البيت. كان جراج يجلب زجاجة نبيذ رخيص ضخمة، وحشيشا سائلاً في سيجارة الكترونية، فكنا نشرب وندخن ونصطاد، ونتحدث كثيرًا.
تحدثنا عن الثورة والكفاح والدراسة والعائلة والوحدة والحب والمجازفة والطبيعة والامبريالية والأرض. حدثني عن عمله في البحرية الأمريكية في السبعينات، في قواعد البحرية العسكرية في تركيا وألمانيا. كانت أمريكا لازالت في مستنقع فيتنام وكان الجميع يكرهون الحرب، وتحول الجنود الى متمردين رفضوا ارسالهم الى فيتنام، حتى أن البعض قد وقع سجنهم. وكان كل ما جناه من العسكرية مرتب تقاعد بأربعمائة دولار، لا تفي بأي شيء تقريبًا. تحدثنا أيضا عن ابنه وابنته، وقد التَقيتهما في زيارات خاطفة سريعة لا تتجاوز الساعة، لمرتين فقط. كان ابنه يزاول دراسة الدكتوراه في العلوم الموسيقية، بينما كانت ابنته في سنتها الأولى في كلية الطب، وعلى الرغم من غيابهما الطويل الشديد، كان فخورًا بهما جدا.
كنت أحاول التوفيق بين الدراسة والعمل ليلاً، وكنت أعود منهارًا من التعب الى البيت، وكان جراج يعلم ذلك جيدا، فكان في الكثير من المناسبات يطبخ الأرز وشطائر اللحم الكورية الصغيرة، وكان ذلك العشاء الدافئ رائعًا. كنت فاشلاً في الطبخ وقتها وكانت مساعدتي الوحيدة تتمثل في العمل معه في نقل بعض الاثاث الثقيل إلى شاحنة أخرى متهالكة كان يستعملها أحيانا.
كان جراج متصالحا جدا مع الطبيعة، بشكل غريب أحيانا حيث ان بيته كان وسط الغابة تماما على عكس البيوت المجاورة التي تقوم بتشجذيب العشب واقتلاع الاشجار، الا انه لم يفعل ذلك ابدًا، حتى أنه غضب لما اكتشف وجود مبيد حشرات قمت بشرائه، وصرخ: ألا تستطيع التصالح مع عنكبوت على شباكك؟ انت من تقتحم فضاءه وليس العكس.
ثم قام بإلقاء المبيد في سلة الفضلات، كي امر بمسار انتقالي شاق للتعايش مع العنكبوت الضخم الذي بنى بيتا كاملا على شباك غرفتي ولم يمسسني بسوء، حتى أصبحت احييه صباحا في كل استفاقة باكرة أتأمل فيها نهر الربيع والحيوانات التي تمر بجانبه للمرعى قبل السابعة من غزلان امريكية وخنازير ورنّة بقرون ضخمة، وقبل بدأ جلبة البشر التي تخيفهم.
مررت بأزمة مالية عويصة بعد التخرج، فرفض جراج أن أقوم بتسديد أجر الغرفة الذي كان متواضعًا أصلاً لمدة أشهر، وبعد فترة، قررت الانتقال مع أصدقاء لي من الجامعة، كي يستشيط غضبا وينفجر في وجهي:
هل تعرف هؤلاء الناس؟ هل تظن أنك ستعيش بأمان معهم؟ هل تظن انك ستستطيع السير في الشارع مع فتاة بيضاء مثلا دون أن تتعرض للخطر كعربي، استيقظ، انت في ريف بنسلفانيا ولست في نيويورك او كاليفورنيا!!
صمتتُ، ولم أجبه ابدًا، اصابني حزن شديد بأن أغادر هذا البيت المسالم الجميل بهاته الطريقة. عاد جراج واطل على غرفتي وآثار الدموع بادية على عينيه، أنا لا أخطئ أبدًا في رؤية آثار البكاء أو اكتشافها.
" انا اسف هومادي، اسف جدا لانني غضبت منك وقمت بالصراخ، أنا فقط اريد منك ان تكون بخير"
علمتُ في قرارة نفسي ان جراج لم يكن غاضبًا، بل كان حزينًا، لأنه سيعود لوحدته الطويلة المخيفة، وحدة كنتُ قد قمت بايقاف تدفقها لمدة سنة بشكل ما، كي يعود كابوسها للتطلع له اليوم.
غادرت البيت، وصوت أغنية بيل ويذرز يتدفق من القبو السفلي مع ضوء خافت جميل:
Sometimes in our lives
We all have pain
We all have sorrow
But if we are wise
We know that there's always tomorrow
…..
Lean on me
When you're not strong
And I'll be your friend
I'll help you carry on

الصورة هي للبيت الذي قضيتُ فيه سنةً ونيف في شارع بولسبورغ القديم:



Comments

Popular posts from this blog

لماذا علينا أن ندعم محمد عبو؟

لم نواجهها عراة

بروكلين، أو الضفة الأخرى