فودكا بالكرز


 أنا أفتقدني جدا.

أنا هنا، ولست هنا، كل يوم.
لقد وجدت وصفًا ممتازًا لما أشعر به في كتاب عبد المالك صياد "الغياب المضاعف"، حين تحدث عن معاناة المهاجرالشمال-افريقي، بين غيابه الكبير المكثف عن بلده، وبين غيابه الموجع الأكبر في بلد "الاستقبال" ( عن أي استقبال أتحدث؟). قال عبد المالك:
أنت هنا، ولست هنا.
أنت حي فقط في العطلة التي تزور فيها عائلتك.
وأنت ميت أثناء احدى عشر شهرًا من العمل.
أتعلم، من المؤسف والمؤلم فعلاً، أن لا يفهم أحد ذلك، ولن يفهم أحد ذلك أبدًا على ما أظن، وسط قوارب الموت/الحياة (أو محاولاتها) التي تغادر تونس كل يوم، وسط النداء الجماعي الكبير المتفق عليه نحو المغادرة الكبرى دون رجعة، واعتبار كل من يعارض ذلك مرتدا. يساوي احساسك بالاغتراب والمنفى هنا لاشيئًا، صفرًا كبيرًا، مزحة ممجوجةً ركيكة وسط العبث الكبير الذي يحصل في تونس.
هل تريد cherry vodka؟
ماذا؟
انه مشروب بسيط ومعروف، خلط عصير الكرز مع الفودكا، كيف لا أعرفه؟
أنا صراحة، لا أعرفه.
يوم كلاسيكي آخر من محاولة التطبيع مع الاغتراب، مع عدم معرفتك لأبسط الأشياء، بما في ذلك شراب الفودكا المخلوط بالكرز الأحمر السخيف الذي يترك الكثير من الآثار على شفتيك، وكأنكَ كنتَ تخوض جولة تقبيل محمومة.
هل أنا هنا؟ هل لازلتُ حيا؟ لا املكُ أي اثبات على ذلك.
أنظر الى السقف، أنظر الى الناس، الى العابرين، الى الدالفين والخارجين والرائحين والقادمين والمغادرين، ولا يُحدث ذلك شيئًا في قلبي.
كيف يعيش الناس؟ وكيف يحسون بالسعادة؟
هناك حل جميل وبسيط وواضح:ان تعمل ستين ساعة في الأسبوع، كعبد مطيع، ولكنك لن تخبر أحدًا أنك عبد طبعًا، بل ستخفي ذلك وسط بدلة رمادية قماشية فخمة، وربطة عنق بلون النعناع القريب من الأزرق بقماش الساتان. اطمئن، لن يتفطن احد الى أنك مجرد عبد.
ستعمل طويلا، لساعات لا تنتهي، من الثامنة صباحا الى السادسة والنصف مساءً (يجب أن تعمل أكثر من ساعات العمل المنصوص عليها طبعًا، كي ثبتث نفسك) ، ستتناول غداءك على مكتبك أثناء العمل كالكلب المتلهف، ثم ستعود الى الانتاج دون توقف، ثم تغادر مكتبك.
ثم ماذا بعد ذلك؟ يأتي السبت والأحد، سيمران ويمضيان بسرعة مجنونة، ولكن ذلك لا يهم، ستسكر في نهاية الأسبوع كثيرًا، ستفقد الوعي، ستتقيأ، ستحاول أن تحصل على تجربة موت صغير ما قدرت، ثم تعود الى وظيفتك/حياك الأصلية: عبد.
لن تتحدث عن ذلك أبدًا دون شك، ستقوم، مثل جميع بقية المهاجرين، بالمشاركة في الكذبة الكبرى: نعم، نحن نعيش حياة سعيدة، نعم، انا أرسل الأموال شهريا الى تونس. نعم، أنا أملك سيارة فارهة ومنزلا في الضاحية الشرقية لنيويورك، وأشاهد اليانكيز يوم الأحد في ملعب اليونكرز، وأحب الهوت دوغ، وأتمتع بالنظر الى حسابي البنكي وأرقامه المتصاعدة، ولا أبكي، ولا أحزن، ولا أفكر.
هل أعجبك The Tart Cherry Cocktail؟
اه؟ ايه.. نعم، انه جيد، I like it on the rocks
تتسرب الفودكا الى مسامي، الى مجاري جسدي، الى شراييني وأوردتني وخلايا دماغي الرمادية، في محاولة بائسة لجعلي سعيدًا، لجعل هذا العالم الرمادي الكبير ورديًا قليلا، بينما تصّاعد أغنية Prince:
I never meant to cause you any sorrow
I never meant to cause you any pain
I only wanted to one time to see you laughing
I only wanted to see you
Laughing in the purple rain
Purple rain, purple rain
Purple rain, purple rain
Purple rain, purple rain
I only wanted to see you
Bathing in the purple rain
I never wanted to be your weekend lover
I only wanted to be some kind of friend (hey)
Baby, I could never steal you from another
It's such a shame our friendship had to end
Purple rain, purple rain
Purple rain, purple rain
Purple rain, purple rain
I only wanted to see you
Underneath the purple rain
يصيبني الدوار، هل أنا هنا؟
هل لازلت حيا؟ هل تعني أنفاسي أي شيء في هذا العالم؟
سألتني، اميلي، مرة أخرى، ملحة:
هاماد، لم تجبني، هل اعجبك الكوكتيل فعلا؟ اي شخص هنا يعرفه جيدا.
حقيقة، تمنيت ان أنفجرصارخًا: لاااا، لم يعجبني، انه مقزز، احسس انني مصاص دماء!!!
كم تمنيت، في الأصل، ان انفجر باكيًا، طويلاً. كم اشتقت أن أبكيَ بكل حرقة، لكنني لم اعد املك أية طاقة لذلك.
لم اعد املك طاقة لأي شيئ، بخلاف الحيز المتوفر لاستيفاء شروط عبوديتي المقننة. اين عملك، اين تقاريرك، اين تصريح عملك من دائرة الهجرة، اين بطاقة اقامتك، اين شهاداتك. اين معادلاتها؟ أين تصريح ضرائبك، اين جواز سفرك، اين تاريخ دخولك البلد.
طالمًا كنتَ مهاجرًا هنا، فأنت مذنب حتى تثبت العكس، ولا شيء غير ذلك.
أتأمل كوكتيل عصير الكرز الأحمر القاني، احاول تحريك مكعبات الثلج بالقصبة البلاستيكية التي اشرب عبرها، فتتراءى لي الدماء، دماءٌ كثيرة، قانية، متكثفة، لزجة، متجلطة وخشنة ومخيفة.
أحاول تجاهل ذلك المشهد المخيف، فأرفع رأسي للسقف.
أين السماء؟ طبعا، لا سماء في المدينة، هل نسيت؟
أجد عوض ذلك سقفًا خشبيا متهالكًا، تتوسطه العديد من مكبرات الصوت السوداء بخيوطها المتشابكة البشعة كشبكة العنكبوت. مع ما تيسر من ترسبات الطفيليات الخضراء المقززة على حدود الجدران بسبب المطر والرطوبة الشديدتين.
انزل بناظري مجددا، فيطالعني نادل الحانة. قبعة حمراء وشارب كثيف وبدلة زرقاء وقامة قصيرة، يذكرني تماما بسوبر ماريو، يا الهي، انه نسخة منه.
انخرطتُ في ضحك طويل.
تتحول الضحكة الى قهقهة.
تتحول القهقهة الى هستيريا من الضحك المتواصل.
تضطرب ايميلي، لا تفهم مالذي يحصل:
هوماد، هل انت بخير؟
هل انا بخير؟ هل قد اكون عكس ذلك فقط لأنني أضحك؟ مالذي حصل لهذا العالم؟
احاول الاشارة الى النادل مغالبًا ضحكي الهستيري، مشيرا بسبابتي، لكنها ترتطم بكوكتيل عصير الكرز المخلوط بالفودكا، فيهوي الكأس، ويتكسر الى شظايا عديدة وسط الحانة، وتتحول القاعة الى اللون الأحمر القاني.
تنظر اميلي الي، وانا أواصل الضحك بهستيريا كبيرة.
انظر الى عينيها، وارى هلعًا حقيقّيًا.
ترى، هل هناك خطأ ما؟ في تركيبتي؟ في شخصي؟ في ضحكي المتواصل؟ أنا اشتاق أطراف الأشياء، نواقضها، الضحك الهستيري والبكاء المجنون، ألا يحق لي ذلك؟
اتأملها، تلملم حقيبتها على عجل وتغادر. كم أصبحت المغادرة سهلة في هذا العالم.
لم أستطع تحويل نظري عن مشهد العصير الأحمر الذي تناثر في كل مكان، ومشهد الناس وهم يسيرون فوقه، دون اكتراث، واحذيتهم تمر فوقه فتصبح لزجة ولصيقة بالأرض، فيتفطنون لذلك، ويصيبهم الانزعاج، وأضحك طويلا بسبب ذلك.
التفتُ الى النادل في الحانة، فرأيتُ انه قد تفطن للموقف الذي حصل للتو، اقترب مني بوجهه، صارخًا، بسبب صخب الموسيقى:
هل قلت أمرًا سخيفًا؟ لقد هربت الفتاة.
اقتربتُ منه أكثر، حتى الفيتُ تكثف شعر شاربه الكثيف، وصرختُ بدوري:
لقد اخبرتها انك تشبه سوبر ماريو!
رفع عينيه، نظر لي، صامتًا تماما، لما يقارب الثواني الثلاث، ثم انفجر ضاحكًا.
وضحكتُ بدوري، طويلاً، حتى وقعتُ على الأرض.

Comments

  1. Wow . This is sooo beautiful Hammadi . Tellement vrai et magifique . 🌺🌸

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

لماذا علينا أن ندعم محمد عبو؟

لم نواجهها عراة

بروكلين، أو الضفة الأخرى