هجرة مؤقتة بلا عودة.

 حين هاجرت، قمتُ بالاقدام على الانتحار.

أنا لا أكذب عليك هنا، لقد قمتَ بقراءة العبارة بالشكل الصحيح: لقد أقدمتٌ على الانتحار.
حين تقوم بمغادرة بوابة المطار في بلدك، وتذهب الى بلدٍ آخر، بنية الهجرة لا بنية الزيارة، فأنت تموت هناك، تقع روحك على عتبات باب المغادرة، ولا ترحل معكَ أبدًا.
حين تقلع الطائرة، تقلع معها روحك، وتصعد للسماء، فعلٌ مثل عملية الموت تماما وصعود الروح الى عالمٍ آخر.
وحين تبلغ الطائرة مطار بلد الاستقبال، وتجد نفسك في بلد آخر، أنت لستَ أنتَ بعد الآن، بصفة نهائية أيضًا.
لمَ أقول ذلك؟ لأنكَ تخسر كل شيء حرفيا: أصدقائك الذين كنت تذهب معهم كل يوم الى كل مكان، لم يعودوا معك
الحانات الذي كنتَ ترتادها وتحبها، والمقاهي الصغيرة بالكراسي البيضاء البلاستيكية في الحي والتي كنتَ تحب الجلوس فيها لساعات في ساعات مراهقتك ثم ساعات شبابك الأولى، لم تعد على مرمى حجر منك، الى الأبد.
صباح بيتكَ الدافئ مع العائلة، وابتسامة والدتك مع السابعة والنصف صباحا وهي تقدم لك القهوة بالحليب وسندويتش الزبدة ومعجون السفرجل الدافئ، انسَ ذلك تمامًا.
هل تذكُر لعبك الأول وأنت طفل، ألفتك الكبيرة مع الشوارع والناس والحديث واللغة والذاكرة والطقس وحتى الشجار والعراك والنقاش المحتد؟ لم تعد لك علاقة بذلك أبدًا. سيتحول كل تواصل لغوي ينتهي الى مسامعك الى همهمة أو غمغمة لا أكثر، لا تعني لك شيئًا، سوى تعلم كلمات جديدة في أحسن الأحوال.
النظرات، لن تقوم بارسال نفس الرسائل، الروائح، ليست نفس الروائح، والابتسامات كذبات كبيرة معلقة كاشارة للمرور دون تعليق.
الطعام الذي كان مقرفًا لك، يتحول الى حلم بعيد، وحتى معدتك البائسة، لن تتعرف اليه مجددا، هل هذا معقول؟
لقد هاجرت، وبذلك أقدمتُ على الانتحار مع سبق الاصرار والترصد.
بعد فعل الانتحار الذي تقدم عليه، لن تتفطن الى ذلك كثيرًا، ستكتشف بعد فترة قد تطول أو قد تقصر، أنك لم تعد نفس الشخص ابدا، انك ذات جديدة، أنت تقنيا وليدٌ جديد ورضيعٌ دون نهدٍ ينتظره: ستقوم بتعلم لغة جديدة حتى لو ظننتَ لوهلة أنك تتقنها، ستقوم يائسا باقامة علاقات جديدة مع أناس غريبين جدا عنك، سيتغير سكنُك، ستتغير أفكارك وستصل الى مرحلة مرعبة من تغير كل ارهاصات انتظارات واحلامك وحياتك حين تتبدل اللغة والتعبير، وتصبح نفسك، غريبة عنكَ تمامًا.
أنت لستَ انتَ حين تهاجر، انت شخص آخر، والذي تركته في باب المغادرة، قد انتحر وانهى حياته، مع سبق الاصرار والترصد.

اللوحة: ذكريات مهاجر - كريستينا برنازاني



Comments

Popular posts from this blog

لماذا علينا أن ندعم محمد عبو؟

لم نواجهها عراة

شارع بولسبورغ القديم